مهدي أحمدي
76
الشيخ محمد جواد مغنيه
--> - أهكذا يطالعون ؟ وما أبعد ما بين القارئ الشغوف ، وبين من يحسّ بأنّ القراءة أثقل على قلبه من الكابوس . . ومع هذا ، إذا رأى كتاباً أسرع يُقلّب صفحاته وينتقد الطبع والإخراج ، وإن وقع بصره بالصدفة على خطأ مطبعي طار به فرحاً ، وتحدّث عن مطوّلًا ! . . أمّا العالم حقّاً فيتسامح مع الأخطاء المطبعيّة ، ولا يهتمّ كثيراً بالإخراج ؛ لأنّ همّه الأوّل منصرف إلى الفكرة وما تهدف إليها . وقال لي شيخ أمضى زمناً في النجف : « في مؤلّفاتك أخطاء مطبعيّة » ! قلت له : ولماذا ركّزت اهتمامك على هذه الأخطاء بالذات ولم ترَ غيرها ؟ وحبّذا لو ناقشت في خطأ فكري لا مطبعي . وقال لي شيخ آخر معلّقاً عل كتابي : « فقه الإمام الصادق » بأجزائه الستّة : « لابدّ وأن تعمى من المطالعة والكتابة » فقلت له : وأنت أيضاً لابدّ أنّك فهمت جيّداً فقه الإمام الصادق بدليل تعليقك « العظيم » يا أيّها « العلّامة الكبير » ! وسمع شيخ ثالث الثناء على كتاب : « فقه الإمام الصادق » فقال : « ولكن صاحبه جمعه من آيات الأحكام في القرآن وكتب الحديث والفقه وأُصوله » ! . . وتجاهل هذا الشيخ أنّ هذه هي طبيعة كتب الفقه وحقيقتها ، وأنّ مصادرها الكتاب والسنّة وإجماع العلماء والعقل وبناء العقلاء ، وليس من شك أنّي لو أتيت بفقه جديد لأصدر حكمه عليّ بالمروق والتكفير ! وهكذا يكشف المرء عن دخليته من حيث لا يريد . وشيخ رابع صادفني ذات يوم ، وفي يدي مجموعة من المجلّات والجرائد ، فتعجّب وقال : « حرام عليك شراؤها ، وكان الأولى أن تدفع ثمنها للشعب الفلسطيني » ! قلت له : الحرام ما حرّمه اللَّه وأنا بهذه الصحف أعرف من هم أعداء الشعوب والإنسانيّة ، وأطّلع على أخبار الفلسطينيّين ومدى وعيهم وصمودهم وتضحياتهم ، وأطّلع أيضاً على حركات التحرّر في كلّ مكان وأُشاركها آمالها ، وأقول كلمة الحقّ بقلمي ولساني ، وأنا على بصيرة منه . . ولو استرسلت في هذا الباب لملأت عشرات الصفحات . -